تاريخ

 

رجل مـن زمـن الثائرين -2

تاريخ النشر       18/07/2012 05:12 PM



 
السياسة حالت من دون قبولي في كلية الأركان
طلبت دائرة الأركان العامة بواسطة مديرية التدريب العسكري ترشيح الضباط الراغبين في الانتماء إلى كلية الأركان التي تمنح شهادة الماجستير في العلوم العسكرية. ومعروف أن كلية الأركان محط آمال الضباط الجيدين لأن شهادتها تؤهل الضباط لإشغال مناصب قيادية مهمة في وحدات الجيش ومقراته. وحين وصل طلب دائرة الأركان العامة إلى الفوج للترشيح، أوائل عام 1952، رشح آمر الفوج العقيد الركن ناظم الطبقجلي كلاً من الضباط التالية أسماؤهم:
1. هادي خماس
2. صبحي عبد الحميد
3. عبد الغفور محمد أمين
4. سامي الشيخلي
وكان قبول الطالب في هذه الكلية يتطلب توفر شرطين، الأول رأي آمره بالقبول، والثاني نجاحه في الامتحان بالمعلومات العسكرية واللغة الانكليزية من جهة وتقديم أطروحة يختارها الممتحنون ليعرفوا أهلية الضابط في سعة معلوماته العسكرية واللغوية والسياسية من جهة ثانية. ولعل أهم ما كانت تراه لجنة القبول الممتحنة هو النجاح في كتابة الأطروحة وكان موضوعها هو:
"هل تعتقد أن مبدأ قابلية الحركة، وما له من أهمية في كفاءة الجيش سلماً وحرباً، متوفر في الجيش العراقي؟ وما هي مقترحاتك لتعزيز ذلك"
تناولُ هذا الموضوع خضع لعدة عوامل يجب مناقشتها، أهمها من نقاتل أو من هو العدو الذي نقاتله؟ وأي ساحة يجري فيها القتال. ومهما طالت مناقشة هذا واتسعت، فإن الجيش العراقي في حينه لم يكن ليقاتل إلا في فلسطين التي هي قضية العرب الأولى. ولمّا كان تسليح الجيش العراقي إنكليزياً، وفي حالة قيام حرب مع إسرائيل، والحرب تحتاج إلى تعويض في الأسلحة والأعتدة لإدامة الحرب وتأمين النصر، فقد كان لا بد للمسؤولين السياسيين وقادة الجيش أن يطلبوا ذلك من بريطانيا، ومعروف أنها هي التي خلقت إسرائيل وأمّنت لها كيانها. وعليه فقد كان من الطبيعي أن تمتنع بريطانيا عن تجهيز الجيش بما يحتاج، وفي هذه الحالة سيصبح عاجزاً عن القيام بمسؤولياته،  لأنه سيفتقد بسبب ذلك أهم مبدأ من مبادئ الحرب، وهو فقدان قابلية الحركة. من هنا فقد اقترحت بأن ننوّع مصادر شراء السلاح فنتجه نحو الدولة الاشتراكية لتجهيزنا بما نحتاج وحينذاك فإن الجيش سيتحسن له مبدأ قابلية الحركة ويكون مستعداً للقتال.
ظهرت نتائج الامتحان وكنت فاشلاً فيه، وكانت النتيجة صدمة لي وموضع استغراب آمري العقيد الركن ناظم الطبقجلي، الذي لم يسكت على هذه النتيجة غير المتوقعة، فاتصل بآمر اللواء العقيد عبيد عبد الله المضايفي مستفسراً عن أسباب رسوبي وعدم قبولي في كلية الأركان أسوة بزملائي الذين نجحوا، فأجابه العقيد المضايفي بالحرف الواحد: "هل الملازم هادي خماس جاء ليمتحن أم لينتقد سياسة الدولة؟ وإن اقتراحه بإيجاد مصادر جديدة للتسلح والتيمم شطر الدول الاشتراكية كان السبب في حرمانه من القبول في كلية الأركان".
ولأن الطبقجلي كما هو معروف كان عنيفاً وجريئاً في معالجة مثل هذه المواقف، اقترح على آمر اللواء ترشيحي لمنصب نائب مساعد في الفوج، وهو المنصب الذي يمثل المرتبة الثالثة من حيث الأهمية. وما كان اللواء في حينه يجرؤ على أن يرد طلبا للطبقجلي، فأصدر أمراً بتعييني نائب مساعد للفوج في 27 شباط عام 1954، وكان هذا المنصب أقل ما يعوَّض به طالب عند عدم قبوله في كلية الأركان. لقد هيأ مركزي هذا التماس المباشر بمقر لواء الحرس الملكي ومرافقي الملك والوصي والعائلة المالكة، وكان هذا الاختلاط مشوباً بالحذر، فالمثل يقول "القرب من الملوك خطر". وهنا لا بد لنا من وقفة قصيرة ومختصرة عند النظام الملكي، مبتدئينها بالتساؤل: هل كان ذلك النظام سيئاً؟ وهل رمى بكل ثقله على الاستعمار ليبقى؟ أم كان يسعى للحصول على ما يمكن الحصول عليه دون تفريط باستقلال العراق والتخلص نهائياً من سيطرة الإنكليز بخطى مدروسة ومتزنة بعيداً عن المناورات والقفزات الطائشة. وكان لا بد لمؤسس الحكومة الوطنية المغفور له الملك فيصل الأول أن يسعى إلى ذلك..

الملك فيصل الأول
يقول شيخ المؤرخين العراقيين الأستاذ عبد الرزاق الحسني:
"كان الملك فيصل الأول من طراز خاص ولعله أقرب إلى الخلفاء في المصدر الأول منه إلى ملوك اليوم. كان جم التواضع رحب الأناة ظاهر الوداعة زاهداً في أبهة الملك عازفاً عن مظاهر السلطان، وقد اضطلع وحده بأعباء الحكم والزعامة فكفكف من شر الانتداب وخفف بحكمته من عسف الوزراء ولطف بحكمة من غضب الشعب وصرف شؤون الدولة على قدر ما يسلم به الرأي الرصين".
ويقول محمد مظفر الادهمي في كتابه الملك فيصل الأول:
"يعد الملك فيصل الأول من قبل العديد من الباحثين واحداً من زعماء عصره البارزين لما كان يتمتع به من إمكانات سياسية عالية وفطنة وذكاء وحكمة وخبرة أهّلته لتكوين الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى رغم المصاعب والمشاكل العديدة والمعقدة التي كانت تواجهه سواء على المستوى القطري أم القومي. لقد كان على الملك فيصل الأول أن يؤمّن الوحدة الوطنية للبلاد في وقت لم تكن حدودها قد استقرت بعد بل أن تركيا كانت ما تزال تطالب بولاية الموصل، وكانت إيران تقف موقفاً معادياً مع الإصرار على عدم الاعتراف بالدولة الجديدة، وكانت هناك مشاكل الحدود مع النجديين وابن سعود المنافسين لوالده حول السلطة، ولم يكن هناك جيش عراقي قوي أمام إصرار بريطانيا على عدم إصدار قانون التجنيد الإلزامي وتحديد موارد السلاح ونوعيتها بالذي يجعل هذا الجيش محدوداً في تأثيره وأداء واجباته المناطة به.
"أما ميزانية الدولة فكانت شبه خاوية ولا يوجد فيها سوى مبلغ متواضع من الروبيات الهندية، ولم تكن أنظمة الدولة وقوانينها واضحة بل متداخلة بين ما هو موروث عن الحكم العثماني وما فرضه البريطانيون. وفوق كل هذا يأتي الانتداب البريطاني على العراق وسلطته المتنفذة في أجهزة الدولة، فالملك يقابله المندوب السامي والوزير يقابله المستشار البريطاني في الوزارة والمتصرف من اللواء يقابله المفتش الإداري البريطاني، والموظفون العراقيون ضائعون وسط العديد من الموظفين البريطانيين والهنود الذين كانوا يخلطون بين أوضاع العراق وأوضاع بلادهم ويتصرفون تصرفاً متعجرفاً متعالياً."
ورغم هذه السياسة وسط ظروف العراق الصعبة والتي تعني التأسيس والبناء، حقق الملك فيصل الأول الكثير من المنجزات. فقد تمكن من جمع المجلس التأسيسي ووضْع دستور للبلاد وعقْد مجلس نيابي وإصدار قانون التجنيد الإجباري وتنويع مصادر السلاح وبناء ميزانية جديدة وإيجاد عملة عراقية وتحقيق وحدة البلاد الوطنية وحل مشكلات الموصل وبقية مشاكل الحدود وتحقيق دخول العراق عصبة الأمم. ولوطنية هذا الرجل الصادقة ومواقفه الرجولية الجريئة ضد الاستعمار البريطاني مات شهيداً في بون سويسرا سنة 1933 بتدبير قاتل لئيم.

الملك غازي
إن الملك غازي نموذج بوطنيته وشجاعته وإيمانه بوحدة الأمة العربية من محيطها إلى خليجها إيماناً لا يزعزعه أحد ولا يستطيع أن يحول دونه أحد. يقول السيد فؤاد عارف مرافق الملك غازي الأول:
"كان غازي الأول رحمه الله إنساناً بسيطاً في مأكله وملبسه، متواضعاً في تعامله، صادقاً مع نفسه وغيره، أقل الناس حقداً، صريحاً أكثر مما يجب، وجريئاً بما فيه الكفاية. كان شديد الحب للعراق والعراقيين، بعيداً عن كل أنواع التعصب العنصري والطائفي، لكنه كان يعوزه دهاء والده وحنكته. فهو لم يفهم الأعيب السياسة ولم يُجدْ فنونها، لم يعرف كرهه للإنكليز حدودا، إذ كان يرى فيهم ناكثين للعهود متجنين على جده الحسين، ومن هنا جاءت حساسيته المفرطة تجاه الساسة التقليديين الذين رافقوا والده باستثناء اثنين منهم هما محمد الصدر ورضا الشيبي رحمهما الله. حتماً ما كان بوسع غازي، مثل غيره، أن يمتلك نزاهة الدراويش والرهبان الورعين، فقد كان يجب الانطلاق ويعد نفسه "سجيناً محترما" على حد تعبيره، ولكن لا شك أن أعداءه بالغوا في تصوير جوانب معينة من حياته الخاصة فتجنوا عليه وحاولوا النيل من فضائله الأصيلة التي لمستُها فيه منذ أن كنا زملاء في الكلية العسكرية، وسأبقى احتفظ بحبي وتقديري لهذا الإنسان النبيل."
ويقول الدكتور لطفي جعفر فرج:
"كسب الملك غازي تأييداً واسع النطاق لأن مطامحه القومية والوطنية جاءت منسجمة مع تطلعات الرأي العام العراقي والعربي، ولكن ما من جانب آخر نال جفاء الإنكليز وبعض الساسة العراقيين ممن كانوا يؤمنون بشروط معاهدة 1930 وتضررت مصالحهم بسبب سياسة الملك غازي الذي أراد ممارسة سلطاته الدستورية بصورة واقعية."
لقد كان طبيعياً أن تصطدم مصالح الإنكليز بسياسة الملك الوطنية والقومية خصوصاً بعد أن أخذ يلعب دوراً تحريضياً ضدهم في كل من الكويت وفلسطين، وحين أصبحت أذاعته الخاصة إذاعة مقر الزهور وسيلة فعالة لإذكاء الشعور القومي ومقاومة النفوذ الأجنبي في الوطن العربي.
كاد الملك غازي سنة 1939 أن يكون زعيم الاستقطاب الوطني والقومي، لا في العراق فحسب، وإنما في كل من سوريا وفلسطين والكويت أيضاً. وظهرت بوادر ساعية لرص الصف العربي لتوحيد تلك الأقطار تحت زعامة العراق، كما ظهرت محاولات للاستفادة من الظرف الدولي، الذي اخذ يتأزم قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، لخدمة الأغراض التي يهدف إليها الوطن العربي في التحرير والوحدة. وأشارت الدلائل إلى احتمال انحيازه إلى جانب دول المحور عند اندلاع الحرب. في تلك الظروف برزت فكرة التخلص من غازي نهائياً وبأي وسيلة، فكان مصرعه في ليلة ¾ نيسان 1939 في حادث السيارة الشهير.
هذا هو غازي.. لقد أدركت تشييعه وكان موكباً مهيباً وحاشداً شاركت فيه بغداد عن بكرة أبيها وإن كنت أنسى فلن أنسى أحد الشعراء الذي وقف على قبره الطاهر منشداً:
قل للوفود إذا ندبت تجبني   ذكر العروبة عنده إقداماً
قسماً بعروبته الأبية اننـــــي   أخشى عليه أن يثور عظاماً
لست مؤرخاً في كتاباتي هذه بل كان لزاماً علي أن أعرج على العهد الملكي في العراق وأنا أعيش بحكم منصبي بين العائلة المالكة لأسرد ما شاهدت أو سمعت منها أو فيها خلال عملي في فوج الحرس الملكي. ومعروف أن الحكومات في العهد الجمهوري قد فرضت تعتيماً إعلامياً على ما يكتب عن العهد الملكي في عهده الزاهر تحت ظل الملك فيصل الأول وابنه الملك غازي الأول، فظل الجيل المعاصر يجهل ماضي هذين الملكين الجليلين وظل جيلنا الذي عاش تلك الفترة الزمنية لا يعلم إلا القدر اليسير عنها. ومن هنا يجيء تسليطي الضوء على جوانب لا أظن أطّلع عليها إلا نفر قليل.

أنا والوصي على العراق
لقد صرع الملك غازي، إذن، فكان ابنه فيصل الثاني وريثه على العرش، ولما يزل طفلاً ورصيده في الحياة جده فيصل الأول الذي أدى دوره وطنياً وقومياً في تأسيس المملكة العراقية، وأبوه غازي الأول الذي سجل دوراً وطنياً وقومياً، كما قلنا، لا لوطنه العراق فحسب بل للعالم العربي كله حتى يوم مصرعه بما يعتقد أنها مؤامرة أجنبية، فصار خاله الأمير عبد الإله وصياً عليه وبالتالي أخذ هو الذي يدير شؤون البلد وسياسته، ولم يكن للملك الصغير عمراً أي تأثير يذكر في ما يفعله خاله الذي أصبح الحاكم المطلق يدير البلاد كما يحلو له، فاشتد نفوذه، وكبر اعتماده على الإنكليز بعد فشل الثورة الوطنية القومية في عام 1941 والتي عرفت بثورة مايس أو ثورة رشيد عالي الكيلاني. والواقع لقد أدى فشل تلك الثورة إلى عودة الاستعمار ثانيةً بكل ثقله وسعى جاهداً إلى الضغط على الوصي لتصديق الأحكام الصادرة بحق أبطال ثورة مايس 1941 وتنفيذ إعدامهم، وهم الشهداء صلاح الدين الصباغ ورفاقه الكرام.
لقد رافقتُ العائلة المالكة  خلال ثلاث سنوات إلى مصيف سرسنك في شمالي الوطن، وكان الوصي مجاملاً في تصرفاته، بسيطاً في تعامله مع الآخرين، حريصاً على كسب حبهم ومودتهم. وكان قليل الكلام في السياسة وشؤون البلد، وازدات معاقرته الخمر بعد وفاة شقيقته المرحومة الملكة عالية. أما أغرب ما لمسته فيه فهو أنه كان كثيراً ما يستمع إلى تلاوة القرآن للقراء المصريين، وكان في ذلك عاطفياً حد البكاء أحياناً.
في 30/6/1955 ثُبّتُ في منصب مساعد آمر الفوج الذي يأتي بالمرتبة الثانية من حيث الأهمية في الفوج، لكن هذا المنصب فرض عليّ حصاراً، حيث صدرت لي الأوامر من التنظيم السري بأن أحدد علاقاتي إلى أقصى حد وأن لا اتصل بأي ضابط أو اشترك بأي فعالية اجتماعية وذلك حرصاً على بقائي في منصبي هذا أطول مدة ممكنة خصوصاً وأن قيادة التنظيم ستسرع من التحرك لتغيير النظام في العراق.
في نهاية عام 1955 نُقل العقيد الركن ناظم الطبقجلي آمر الفوج وعُيّن محله المقدم الركن ياسين محمد حليم، وكان الفرق بين الآمرين كبيراً من حيث الشخصية والكفاءة والضبط، فأحدث هذا النقل ثغرة في بيئة الفوج بدأت صغيرة وأخذت بالاتساع، وبدأ الفساد يدب في هذه البنية. وكان من واجباتي كمساعد آمر الفوج أن أحيط الأمر علماً بكل ما يحدث فيه. لما كان الآمر أحد بُناة هذا الفساد فقد اضطُررت على أن اتخطى المراجع وأخبر اللواء بواسطة صديقي المرافق سعدي صالح، فبادر هذا بإخبار الوصي مباشرة( ). ولمعالجة الموضوع شُكل مجلس تحقيقي، سيقود إلى طلب الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق مقابلتي.

وجهاً لوجه مع الوصي
في يوم 18/6/1956 وفي الساعة الثامنة مساءً رن جرس الهاتف في بيتي، وإذا بالمتكلم الأمير عبد الإله. قال لي: "هادي لقد صرفت المُرافق والانضباطية، وسأرسل لك سيارة لتأتي مرتدياً ملابسك المدنية، فلا أريد أن يعرف أحد بهذه الزيارة".
حضر السائق ونقلني إلى قصر الرحاب الملكي الذي كان بسيطاً في بنائه بسيطاً في أناقته، لا تبريد فيه، بل ليس فيه ما يدل على أنه قصر ملك. استقبلني الرجل ورحب بي فبرّد ما بداخلي من خوف أو أي شك من عاقبة هذه الزيارة المفاجئة والغريبة التي ظننت أن لها علاقة بعلاقتي بتنظيم الضباط الأحرار.
وبعد الاستقبال والترحيب بادرني بسؤال مفاجئ: ما قصة الفساد الذي طلبت التحقيق فيه؟
قلت بكل جرأة وصراحة: "سيدي لو صعدت على سطح القصر، ألا ترانا في ساحة التدريب؟"، وقبل أن يجيب فجرت قنبلة ما كان ليتوقعها بقولي: "إذا كنا نحن تحت نظرك وهناك من يسرق، فكيف الحال في زاخو والفاو؟"
فظهرت عليه علامة الارتباك وقال: شوف أنا والعائلة المالكة مدينان للشعب العراقي حيث جئنا للعراق ونحن لا نملك من حطام الدنيا إلا سمعتنا ونسبنا ونضالنا، وقد أصبحنا والحمد لله أصحاب جاه وملك وسطوة، ولأعد قليلا إلى يوم وصولنا العراق، وراح يقص:
"أنا أبي ملك وعمي ملك وجدي ملك، سكنت مع أبي في بيت متواضع جداً في دار مقابل دار الإذاعة في الصالحية، ولتكن على علم كيف نشأت وكيف كانت تربيتي، أحكي لك أنني في عصر يوم ربيعي جميل كنت وأبي رحمه الله جالسين في شرفة الدار وإذا بشخص يمر من أمامنا رث الثياب أشعث الشعر حافي القدمين، فأشار اليه والدي مباغتاً إياي بسؤال استغربت منه: "هل تعرف هذا يا بني؟"، أجبته مستغرباً: "ومن أين لي أن أعرفه؟". فقال لي: "إذا لم تتربى التربية الصالحة وتنشأ على المبادئ التي سار عليها اباؤك وأجدادك في الإخلاص والتضحية، فسيكون مصيرك عندما يُسال عنك كهذا الذي سألتك عنه ولم تعرفه".
ثم واصل الوصي الحديث قائلاً:
"لنترك هذا.. في مطلع شبابي ليس من المعقول أن أبقى بدون عمل، فوجدت أنسب عمل لي هو السلك الدبلوماسي فقابلت السيد ياسين الهاشمي وعرضت عليه رغبتي، فرفض دون أن يبدي سبباً مقنعاً. ناقشته بالمنطق فأصرّ على رفضه. هل تدري ما كانت النتيجة؟ ستعجب عند سماعها. ما كان للهاشمي إلا أن رفع الدواة التي أمامه وقذفها على صدري وسال الحبر مدمراً ملابسي، وخرجت لا ألوي على شيء. نعم حدث هذا وأنا أمير وابن ملك".
لقد أخذ رشفة من كأسه وظهرت ملامح الدمع تترقرق في عينيه، ثم واصل حديثه قائلاً:
"يقولون ويشاع عني بأني أتدخل في شؤون الدولة والوزراء والحكام وأطلب تصريف الأمور على هواي، وهذا محض افتراء، فمثلي كمن يتمرى- يرى وجهه- في مرآة سوداء".
قلت: "لم افهم سيدي ماذا تعني بهذا؟"
حكايات عبد الاله الحزينة
قال: "سأروي لك حدثاً حدث لي يؤكد لك ما قلت ويدحض كل افتراء أشيع ضدي والذي أطلبه منك إلا تسألني عن شخوص الحدث. زارني يوماً وفد من لواء الديوانية شيوخاً ووجهاء شكوا لي متصرف اللواء ونعتوه سارقاً ومفسداً ومقامراً ومهملا، وطلبوا نقله، فوعدتهم خيراً. اتصلت برئيس الوزراء شارحاً له وجهة نظر الوفد الذي زارني وطلب نقل متصرف اللواء. أجابني رئيس الوزراء: سيدي أمهلني حتى أرى ما سيكون. وبعد يومين أخبرني رئيس الوزراء بأن موقف متصرف اللواء سليم وما نعتوه من أوصاف افتراء وكذب، وبقي وضع اللواء متردياً كما كان. عاد الوفد نفسه بعد مدة راجياً وملحّاً بنقله، فقلت لأتصل بوزير الداخلية مختصراً الطريق، فكان جوابه لا يختلف عن جواب رئيس الوزراء وبقي اللواء كما اشتكاه الوفد في زيارته الأولى. ثم عاد الوفد نفسه بعد مدة بطلب جديد أقرب إلى الاستخفاف، وعدّوا متصرف اللواء نزيهاً وجاداً وأنه أحدث في اللواء ثورة في البناء والتعمير، ثم أردفوا بتهكم: ألا يوجد في العراق يا سيدي لواء مهمل لتنقله أليه ليعيد بناءه كما بنى وعمر لواءنا؟ وانصرفوا".
وبدت الدموع واضحة في عينه بعد أن قال: "عجزت وأنا الرئيس الأعلى عن نقل متصرف، فكيف تصدق أن أتدخل في شؤون الدولة وأصرفها على هواي. والآن سأقول لك ما لم أقله لأحد". وأسرّ لي بخبر غاية في الخطورة أسرده هنا بأمانة كما سمعته منه بالضبط فقد قال:
"قادة العراق وزعماؤه، حسب التعامل معهم، كل يريد ما يعتقد أنه صحيح وكل فئة أياً كان اتجاهها تسفّه الفئة الأخرى. لقد ظهرت بوادر أن العراق مقبل على أحداث خطيرة حيث سيطر القادة العسكريون الأربعة صلاح الدين الصباغ ورفاقه وعلى رأسهم السيد رشيد عالي الكيلاني، وبيّت هؤلاء أمراً لإعلان الثورة ضد العرش وضد الانكليز، وكان هذا الأمر في رأيي ورأي عقلاء القوم انتحاراً، إذ أن ظروفه غير ملائمة لوقت يخوض فيه الإنكليز وحلفاؤهم حرباً ضروساً ضد المحور. حاولت جاداً وصابراً تسوية الأمر وإبعاد الوطن عن خطر يراد له، وجمعت الساسة المدنيين في هذه الصالة الذي نجلس فيها والعسكريين في صالة أخرى دون أن يعلم أحدهم بالآخر، وكنت انتقل بين الصالتين، وعبثا حاولت تقريب وجهات النظر أو إقناع الطرفين بأن القيام بثورة سيعيد العراق إلى هيمنة الإنكليز، وتكون هذه المرة هيمنة كاملة، وعليه ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تخفيف هيمنة الإنكليز على العراق قررت أمراً غاية في الخطورة، فأمرت العقيد عبيد عبد الله المضايفي بأن يأخذ غدارة ويقتل القادة الأربعة في داري هذه، إلا أن العقيد عبيد اعتذر عن تنفيذ الأمر".





... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

   جريدة الناس , العراق – بغداد