ثقافة

 

مكانة المرأة في الشعر العربي

طه خضير الربيعي

تاريخ النشر       25/09/2011 12:19 PM




المرأة في ذهن الإنسان العربي في بعض مراحل تطوره القديمة كانت أصل الحياة فهي أصل للإنسان لأنه منبثق منها ومقترن بها اقترانه بالحياة والوجود وكان انتساب العرب إلى إلام شائعا مما أدى ظهور مفردات كثيرة تعزز إتباعهم نظام الأمومة مثل البطن والفخذ والظهر والدم والرحم ولهذا فقد اكتسبت المرأة مكانة متألقة في رؤية الإنسان العربي وتطلعه الروحي .
وقد يفسر لنا ورود صورة المرأة البدينة في شعر الغزل العربي في العصرين الجاهلي والإسلامي وهي صورة قد بولغ كثيرا  في تضخيم أعضائها وخاصة الأعضاء المتصلة بأمومتها وخصوبتها مع وجود التباين الدلالي بين الشعراء في عصور الأدب الجاهلي والإسلامي والأموي حتى راح بعض الدارسين للأدب العربي  هذه العصور يتصور أن وصف الشعراء العرب لجسد المرأة ينطوي على إحساس جمالي مغفلين ما يختفي وراء هذا الوصف من أبعاد دينية ومعتقدات شعبية .فالدكتور شكري فيصل تصور المرأة في وصف الشعراء العرب بأنها (جماع مظاهر الجمال وصورة فلا يشهد غيرها في حياته الرتيبة وهي لذلك تكاد تكون محور اهتمامه النفسي وثباته العاطفي .
 
أن الجمال يخفق في إشراق وجهها وصور عينيها وطول جيدها واعتدال قامتها )صحيح أن هذا الوصف يخضع للقيم الجمالية التي تستهوي الشاعر العربي بل الإنسان العربي ولكن اعتقاده اجتماعيا دينيا ينضوي تحت الإشكال الحسية لجسد المرأة التي يقدمها الشعر العربي  وهكذا لا تأخذ الصفة الحسية مكانا متميزا في حجم لوحة المرأة في شعر الغزل بقدر ما تمنح المعتقدات الاجتماعية هذه اللوحة صفتها الإيحائية .ومن هنا فان سيطرة الجانب الحسي الشهواني على صورة المرأه برأي بعض الدارسين لا ينهض على دليل قاطع .
وقد ذكرنا آنفا أن الاهتمام بوصف أعضاء المرأة يتصل بأمومتها وخصوبتها وهذا ما يؤكده الشعر في مواضع كثيرة منها ما يقوله امرؤ ألقيس :
ويـا رب يــوم نــاعم قد لهوته         بـمرتـجة الحـاين مــلتقة الــحشا
برهرهة كالشمس في يوم صـحوها     تـضيء ظــلام البيت في ليلة الدجى
أسيلة مستن الـوشاح كـأنـما            تـكسر فــي أوراكـها هابر الـنقا
مضمخة الاردان ســهل حديـثها        لطيفة طــي الكشح وهــناة الخــطا 
أن هذه الصورة لم يؤت بها للزينة والتصوير الفني .وإنما ترتد إلى قيمة محملة بدلالة رمزية .فالحبيبة هنا جاءت في صورة إلام.وهي صورة جاهلية صرف وكذلك ضمور الخصر وتنفصل صورة الامتلاء بارتجاج الحاذين وهابر النقا الذي يتكسر في الأوراك وليس وراء هذه الصورة التي يرسمها الشاعر الجاهلي من مقصد غير أن المرأة كانت تحمل في وعيه معنى من معاني الأمومة والخصوبة وهذا المعنى يرتبط ارتباطا قويا بالوظائف الفسلجية للمرأة .فهي إلام التي تعطي الحياة وديمومتها وازدهارها ويقول امرؤ القيس :
هـي تـمشي كـمشي النزيف         يصرعه في الكثيب البهر
بـرهـرهة رؤدة رخـصــة         كخرعوبة الـبانه المنفطر
فـــتور الكلام قطيع الكلام         تفتر عن ذي غروب خصر
ويقول الاعشى :
وثـديان كالـرمـانتـين وجـيدهـا      كـجيد غــزال غير أن لم يعطل
يجول وشاحاها على اخصميهما    إذا انفتلت جالت عليها يجلجل
ويقول أعشى همدان :
قلـت روادفها ومـال بخـصرها       كـفل كما مـال النقا المتقصف
ولــها ذراعــا بــكرة رحــبية        ولها لابنان بالخضاب مطرف
وعـوارض مصـقولة وتـرائـب     بيض وبطن كالسبيكة مخطف
وعندما جاء الإسلام ظلت صورة المرأة تحتفظ بمكوناتها الدلالية لان الإسلام لم يهدم (بفترة وجيزة) الموروث الثقافي والحضاري في ذهن الإنسان الجاهلي .ولم يبلغ معتقداته الشعبية ذات الأصول الدينية والأسطورية إلا بعد أن استقر الدين الجديد بنظامه الكوني الشامل وبمبادئه السامية التي استطاعت نقل الواقع العربي إلى صورة أكثر إشراقا ونضجا .فتحولت أنظار الناس إلى الرب الواحد الأحد .واخذ المعتقد الوثني في ذهن العربي يفقد قيمته الدينية وذلك بفعل ما جاء به القران الكريم من مبادئ قويمة كان لها الأثر الفاعل في منظومة القيم الدينية والاجتماعية.
وكان لابد للأدب أن يخضع لهذا التبدل الحضاري الجديد ولكن هذا الخضوع لم يكن جوهريا خاصة عند الشعراء المخضرمين الذين عاشوا شطرا من حياتهم حياة الجاهلية بكل تقاليدها ومعتقداتها ونظامها القبلي ولهذا خضع الشاعر المخضرم لحالة من الترجيح بين الانتماء إلى الماضي وطارئ الحياة الإسلامية الجديدة .فالإسلام لم يحصر المعاني والموضوعات الشعرية لان الشاعر ظل يعبر عما يحسه دون تردد ذلك لان الشعر نشاط أنساني مباح .
ومن هذا كله نستطيع أن نستوعب حقيقة أن رمزية الأمومة والخصب في غزل الإسلام ظلت بابعادها الدلالية ومكوناتها الإيحائية :ويقول حسان بن ثبات :
كالمسك تخلطه بماء سحابة       أوعاتق كدم الذبيح مدام
نفح الحقيقة بوصها تنضد         بلهاء غير وشيكة الأقسام
بنيت على قطن أجم كأنه        فضلا إذا أقعدت مداك رخام
وتكاد تكسل أن تجي فراشها      في لين خرعبة وحسن قوام
ويقدم لنا الخطيئة صورة تحمل الملامح ذاتها وتوحي بما توحي صورة حسان بن ثابت فيقول :
إذ ارتفعت فوق الفراش تخالها             تخاف إنبـات الخصر ما لم تشدد
وتضحي غضيض الطرف دونى كأنما       تضـمن عيـنيها قذي غير مفسد
إذا شئت بعد النوم ألقيت ساعدا              علـى كـفل ريـان  لم يتـخدد
لها طيب ريا أن تاتني وان دنت             وعـثة فـوق الفـراش الممهد
خميصة ما تحت الثياب كأنها               عسيت نمـا فـي ناضر لم يخضد
صورة المرأة في العصر الحديث :
وفي عصر النهضة الحديثة ظلت صورة المرأة المثالية عند الشعراء هي الصورة المتصلة بمعاني الخصب والمرتبطة جوهريا بوظيفتها الامومية .ومن خلال ذلك يمكننا القول أن المرأة إلام أو صورتها الامومية كانت راسخة في خيال الشعراء من القدم لما تحمله من صفات الخصب والانبعاث فبثوا عنها في نصوصهم وبروزها في صورهم  وهذا بدر شاكر السياب يعرض لنا في شعره قضية أثارها وعمق ماساتها وكأنما  أراد أن يجعلها قضية تسويقية ليستجلب عطف كل من حوله وشفقتهم ومن بينهم النقاد.إذ كان الطفل شديد التعلق بأمه فلما خطفها الموت .اثر ذلك فيه تأثير كبيرا وحين كان يسال عنها كانوا يقولون له ستعود بعد غد.
وراح الطفل الذي فقد الحضن الدفيء يبحث عنه ولم يكن عسيرا عليه أن يجده في شخص جدته لأبيه (أمينة) حيث يقول السياب في قصيدته الشهيرة (أنشودة المطر)
كان طفلا بات يهذي قبل أن ينام
بان هامه التي أفاق منذ عام
فلم يجدها ثم حين لج في السؤال
قالوا له :بعد غد تعود...
لابد أن تعود
وان تهامس الرفاق إنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها وتشرب المطر
نلمس أن صورة المرأة من الصور التي حرص الشعراء على استحضارها في نصوصهم الغزلية أو غيرها تأكيدا لتميزها لديهم غالبا ما يكنون المرأة التي يتغزلون بها بألفاظ الأمومة .ولابد من الإشارة إلى أن وصف المرأة أو ذكرها في الشعر أن كانت رمزا أو حقيقة يعني التمرد من قبل الشاعر على واقعه بصوره وأشكاله كافة.ولاشك في أن النتيجة التي يطرح بها الشاعر ذلك العاشق المتمسك بمشوقته وحبيبته وأمه هو دليل على وعيه الفني وطموحه فذكر الأم والحبيبة في قصائد الشاعر تعبير عن الحنين الجارف الذي يعيشه مع ذاته.




... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

   جريدة الناس , العراق – بغداد